الثلاثاء، 9 ديسمبر 2008

ماذا تَذكرَ قبل الانتحار؟!



أما بعد،
فسلاما يا دمدم سلاما، ها أنت تضع رجلك فوق حد حافة مبنى مسرح الشباب الآيل للسقوط، لأن بعضهم لم يكن صادقا في نيته عندما قرر بناء ذلك المسرح، ولأن المسرح، بعد كل هذا العمر، وكل هذه النهضة، وكل هذا الزمن، لا يؤسس نهضة، ولا حضارة، وما هو إلا ترف زائد عن الحاجة، وإلا فلماذا لجنة لتطوير الدراما والمسرح في بلادنا، لولا تلك النظرة الضيقة للفن والفنون، للمسرح والدراما، للثقافة مجملا؟ ها أنت تقرر أن تلقي بنفسك إلى الأرض المنحدرة خلف مبنى وزارة الشئون الرياضية التي يقال بأنها تطورت وباتت أفضل مما كانت عليه قبل عشر سنوات، والدليل أن منتخبنا الوطني يفوز بالمركز الثاني لمرتين متتاليتين في كأس الخليج، والكل يهتف باسمه ويقسم بأنه كان صاحب الأحقية! وذلك كله برغم اختفاء منتخبات كالشباب والناشئين الذين في يوم من الأيام دوخوا العالم بفنونهم الكروية، وحققوا ما لم يحققه شعراء الرمل في بلادنا ولا قاصيها أو روائييها!! ها أنت تتذكر غلام خميس والمجد الذي حققه، والسنوات التي قضاها يحلم بمنجز للوطن ولو على صعيد الرياضة وكرة القدم! وأنا بصراحة لا أعرف غلام خميس الذي كتب عنه عبد الله حبيب وأخوه مازن، وحميد البلوشي وسالم الغيلاني وأسماء أخرى لا أعرفها مقدار معرفتي بك! لأنني إنسان لا يبالي بالرياضية، والفرح الذي يصيبني عندما تقام مباراة للمنتخب ليس لأنني أشجع المنتخب، بل لأن شوارع مسقط أو بالأحرى شارعها الوحيد سيكون فارغا تقريبا من السيارات مما يعني عودة الزمن الجميل لأوصال مسقط، ويعني أن أخرج وأشم الهواء الساكن غير المزدحم بالعوادم، وأدخل المجمعات التجارية، وأذهب إلى الشواطئ فلا أجد ذلك الازدحام الكثيف الذي تحياه مدينة كمسقط الآن ودوما بعدما بات لكل أسرة أربع سيارات كأقل فرض! ذلك أن الزوج يعمل والزوجة، والأخت والأخ والأب وربما أيضا الأم! هذا إذا لم يكن للأسرة سائق أيضا..
ها أنت الآن تبتلع غصصك الكثيرة، وتقول: إلى متى ونحن في ذيل القائمة من الاهتمامات والأولويات؟ متى يدرك هؤلاء الفنانون والمثقفون قبل أن يدرك صناع القرار الثقافي أدوارهم في الحياة الحضارية لبلد يمتد لأربعة آلاف عام؟ بالأخص هؤلاء الذين يقولون بأنهم مسرحيون وأصحاب فن، وهم لا يعرفون الطين من العجين؟ كنت لحظتها تتذكر فشل مشروعك السينمائي لأن البلاد ليس فيها مسرح فكيف يكون هناك فن سينما؟ البلاد لا تمتلك أي مؤشر يؤشر إلى أن المستقبل سيكون مشرقا، والذين كان يفترض بهم أن يكونوا أساس الغد، والغد جاء وهم لم يقوموا إلا بما يعنيهم من منجز خاص يصعدون من خلاله سلمة جديدة في الوظيفة أو الأعطيات!
تقول الآن: ماذا تفيد حياة فنان حقيقي في بلاد مسرحها الوحيد انهار، ومسماه اختفى بعد انتقاله من مؤسسة إلى أخرى؟ وللأسف الشديد كانت المؤسسة الجديدة لا تبالي بالتطوير بل كان هاجسها أن تجعل كل مشروعا تراثا خالصا وذكريات مرة لأصحابها! وحتى مشروعها الذي بدأته قبل أعوام أربعة توقف، ذلك أن لا مبنى مسرحي موجود قادر على احتضان الفكرة مجددا، رغم أنها فكرة يمكنها أن تحرك قاع البحيرة الراكدة وليس وجهها فقط! وقد قيل في هذا الشأن بأن هناك ما يشبه المشروع، مشروع بناء مسرح بديل لمسرحين: الأول هو الذي تقف الآن على حافة مبناه بغية إنهاء حياتك، والآخر هو الخيمة التي انهارت مع الأيام داخل المبنى التراثي الضخم، ولا أحد يدري أين ذهب المشروع؟ أو أين ذهبت الأرض؟! ولذلك ومع كل هذه المعطيات التي تراها من كل صوب تبدو لك الآن الحياة بلا معنى، وبأنه لابد لك من أن تسجل موقفا مغايرا للصمت الكلاسيكي، أو الاعتراض المعتاد، ولذا يبدو وقوفا بغية الانتحار سقوطا من مبنى مسرح الشباب بمسقط فرصة متميزة وفكرة رائدة، ستسجلها الأيام بكل تأكيد، وسيعرف العالم كله مأساة الأدب والفن والثقافة في بلاد حضارتها تمتد بامتداد العصور!
رحمك الله أينما كنت الآن!

دمدم ينتج فيلما سينمائيا!


أما بعد،،،
فدمدم المسكين بعد أن شاهد وسمع وحضر فعاليات ندوة تطوير المسرح والدراما التي عقدتها مجموعة الفرق المسرحية العمانية، والتي يحاول أعضاء كثير منها إنشاء جمعية مختصة بالمسرحيين على غرار جمعية الصحفيين وجمعية الكتاب والأدباء وجمعية السينما وجمعية حماية البيئة وجمعيات المرأة وجمعية الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة والجمعية الأهلية لمكافحة السرطان وهلم جرا! أقول بعد أن حضر تلك الندوة/ المشاجرة، التي أكدت على أن المسرح العماني والدراما العمانية بألف خير، وبأن اللجنة القادمة لن تجد شيئا توصي به أكثر من نشر المحبة بين الفنانين في قطاعي المسرح والدراما، بعد أن تابع كل ذلك قرر أن لا يسأل عن زيادة أجره، ورفعه إلى تصنيف أعلى، وأن يغير مهنته الحالية من منظف للأحذية وشمام لها، إلى مستثمر، حيث فكر ودبر، فلمعت في ذهنه الأفكار الجهنمية: قرر أن ينتج فيلما سينمائيا، فإذا كان المسرح يعاني والتلفزيون والإذاعة لا يعطيان مالا، فالمستقبل للسينما، وعليه ففكرة الاستثمار فيه فكرة ممتازة، خاصة أن البلاد ما تزال خالية من مثل هذه المشاريع، وبكل تأكيد ستعمل السينما على تنشيط السياحة في البلد، فهو سيستعين بمخرجين كبار مثل ردلي سكوت وأخيه، ومثل مروان حامد ورامي إمام، وسيستعين بممثلين أكابر، كجورج كلوني وبراد بيت وتيم الحسن وأحمد عز، وبالطبع هناك أيضا الممثلات الجميلات اللائي إن جئن سيجعلن كل فندق ينزلن فيه مشغلا مائة في المائة دون أن تكون هناك غرفة لأي ضيف آخر!
هذا جميل يا دمدم، ولكنك لابد أن تتطلع قبلا على التاريخ التأسيسي لفن السينما في البلاد! بالطبع يا محدثي العزيز، أنا أعرف أن هناك جمعية السينما العمانية، وهناك فيلم البوم، وهناك مهرجان مسقط السينما ومهرجان آخر للأفلام القصيرة والوثائقية، وهناك لابد أناس مختصون عارفون بالسينما! هل أنت متأكد يا دمدم؟ عندها قطب حاجبيه وقال: ماذا تقصد؟ وعندما لم يرد عليه الطيف، قرر أن يبحث أكثر، فذهب إلى خالد عبد الرحيم الزدجالي رئيس جمعية السينما منذ تأسيسها، الذي فتح له الأبواب وقال هات أعمالك سننفذها نحن! خرج بعدها مبسوطا منشرح البال، وقال هكذا يكون الدعم! لكن الطيف فجأة أطل بسحنته البغيضة وقال له: هل تعرف ما الفرق بين الفيلم السينمائي والفيلم التلفزيوني؟ فأجاب على الفور: سؤالك هذا سؤال سخيف فالجمعية بمن فيها يعرفون الفرق، هذا أمر بديهي يا صديقي الطيف، هم أصحاب ثقافة سينمائية أفضل مني بكل تأكيد! إذن عد واسأل أعضاء الجمعية الموقرين عن مفاهيمهم للسينما، وابدأ من هذا السؤال السخيف كما قلت! غضب دمدم، وقرر المضي وعدم الإنصات للطيف الغبي الذي يحاول أن يجعل كل شيء سيئا في بلادنا، أما الطيف فقد لحقه وقال له: سيقولون لك بأن الفرق هو أن الفيلم السينمائي يصور بكاميرا سينمائية والفيلم التلفزيوني يصور بكاميرا تلفزيونية، هذا يعرض في السينما وذاك يعرض في التلفزيون، وبس! وسيقولون: نحن نعرف محمد كامل القيلوبي، ونعرف أنعام محمد علي، ونعرف حاتم علي، ونعرف أسعد فضة وواحة الراهب ونعرف ستيفن سبلبرج، ونعرف الكثير، والأزمة إذا فيه أزمة ما هي إلا في الفلوس، ونحن أنتجنا فيلم البوم، وقد أشاد به الكثير من النقاد، وصح ما عرضناه غير يجي خمس مرات بس المهم إنه عندنا إنتاج، وإذا إنته جاهل بالسينما فنحن لا، نحن عندنا كل المعلومات والثقافة المطلوبة، ولا تجلس تقول إننا ما نعرف، نحن نعرف، وما عندنا مشكلة!!!! ولو نظرت في وجوههم ستجد أنهم هم ذاتهم الذين يتحدثون عن المسرح، وعن الدراما. طيب ما المشكلة يا عزيزي الطيف؟ ليست هناك أي مشكلة، وسترى أن الجمعية هي الوحيدة المستتبة التي لم تثر حولها مشاكل منذ تأسيسها، وهذا يدل على أن الجمعية بأفرادها يعملون بصمت! بالطبع يعملون بصمت ولا أحد سيفكر أن يجعل لهذه الجمعية نشاطا، أو انتخابات، وترشيحات، وتأكد يا دمدم أن الأعضاء الموجودين في الجمعية لم يزد فيهم أحد منذ إعلان التأسيس إلا فيما ندر ومن أفراد معينين! أوووف أنت طيف مزعج وأنا أريد أن أنتج فيلما، فاتركني بسلام! ثم غادره الطيف ومضى!!

ستة وثلاثون!



أما بعد،،،
ففي لقاء جمعني بدمدم مؤخرا (وهو الشخصية الرئيسة في مسرحية دمدم التي كتبها للمسرح الممثل والكاتب مالك المسلماني والذي أدى الشخصية على الخشبة في عرضها الأول والأخير إذ بعدها أصدرت وزارة التراث والثقافة أمرا بإيقافها وعدم التفكير من قبل أصحابها في العودة مجددا بعرضها داخليا أو خارجيا لأن بها بعض التصريح والإيحاء لمسائل تهم البلد، فمثلا رقابة الوزارة مدفوعة برقابة أخرى تساءلت عن معنى خربانة هل القصد بها أن البلد خربانة ككل؟ وتساءلت عن معنى المفتاح والخزنة ولماذا هذا التوقيت للعرض ولمثل هذه الإشارات؟ وبالطبع استجابت الفرق الثلاث التي تجمعت لأول مرة من أجل إيجاد فرجة حقيقية وتقبلت الأمر والمنع وبدأ القائمون عليها يفكرون بإنتاج عروض أخرى وفي قلوبهم غصص هائلة)
كان دمدم يبكي ويردد بألم وحرقة: ستة وثلاثون!! فقط ستة وثلاثون!! وبالطبع لم أفهم ما يعني لذا جلست جواره وسألته: ماذا تقصد؟ فنظر إلي وحزن الدنيا كلها يفيض من عينيه ثم قال: ألوم مالكا أنه اخترع شخصيتي، فلولاه لما رأيت كل ما رأيت من أسى وحرمان! هل تصدق أنهم أعطوني ستة وثلاثين ريالا فقط، وقد ظننت أن أجري أكثر من ذلك بل إني قلت لصاحب المالية: ربما تقصد ثلاثمائة وستون ريالا وليس ستة وثلاثون فرد علي بأنها كما عدها: ستة وثلاثون لا أكثر ولا أقل!! ضحكت وقلت بأنها لا تكفي بنزين السيارة التي أقودها وهي بالمناسبة سيارة قديمة جدا وتستهلك كل راتبي، وهو راتب زهيد إذ أني أعمل في تلميع الأحذية وتربية القطط! ولا تستغرب لماذا لم أعمل ممثلا، فالفن ما يوكل عيش في بلادنا، ولذا قررت أن أذهب إلى الندوة التي أقامتها الفرق المسرحية العمانية الأهلية التي يصل عددها سبعة عشر فرقة لا أدري أين هي، وقد علمت عنها عن طريق هلال الهلالي وطالب محمد وخالد عبد الرحيم عندما كنت بالإذاعة والتلفزيون فقد كانوا يعدون أوراق عمل لهذه الندوة، ودعوني لأن أحضر، فقلت في نفسي: هذه فرصتك يا دمدم لكي تشتكي الأجور السيئة التي تعطى إياها وتصنيفك المجحف والذي وضعت من خلاله في الدرجة "سي" مع أنك تعلم يا صديقي بأني خريج جامعي ولدي شهادة حتى لو عملت في تنظيف الأحذية وتربية القطط، فكما تعلم لم تعد المشكلة مشكلة خريجي الثانوية أو الشهادة العامة كما يسمونها اليوم فحتى مخرجات البكالوريوس وربما الماجستير لا يجدون عملا لأن الدرجات المالية غير متوفرة ولا قانون واضح بالنسبة للتقاعد حتى الآن! المهم قررت أن أذهب للندوة التي استمرت ليومين، وهناك رأيت العجب العجاب يا صديقي! رأيت ورقة تقول بأن هناك مشاكل للفرق ولا تقول في الوقت ذاته، فصاحب الورقة، وهو بالمناسبة محاضر في الجامعة، لم يقل شيئا واضحا بل مجرد جمل عامة يمكن أن يقولها أي واحد من الحاضرين حتى أنا، ثم اكتشفت أنه ليس عضوا بأي فرقة من الفرق التي يتحدث عن مشاكلها وليس لديه نتاج مسرحي واضح! قلت لا مشكلة ربما الورقة الثانية تطرح المشاكل، وقد طرحت مشكلة مهمة وهي أن المتحدثة لا تعي الفرق بين النص المسرحي الأدبي وبين العرض المسرحي، وتطالب الكتاب بأن يدخلوا الأساطير والحرف التقليدية والموروثات في نصوصهم كي تكون نصوصا مسرحية أو إدخال شاشات عرض في صلب نصوصهم، كي نتخطى أزمة النص المسرحي والدرامي، وعرفت لاحقا أنها لم تكتب أي نص مسرحي وبأنها تحفظ مجموعة من البراويز والأطر التي تكيف كل فعالية مسرحية لتتلاءم معها
تحسرت ثم قلت ربما الأوراق الأخرى كانت بأفضل، لكنها جاءت لتقول بأن الأمور كلها بخير، وبأنني لم أظلم عندما أعطيت ستة وثلاثين ريالا أجر الحلقات العشر التي أديتها، حتى المشاجرات التي نبتت بعد الأوراق والاتهامات المتبادلة لم تقل لي إلا بأنه من الجيد أنني أخذت الستة والثلاثين ريالا، لذا خرجت وفي حلقي يتحشرج السؤال: من الذي هو سبب تأخرنا في المسرح والدراما؟ هل هي وحدها لائحة الأجور وميزانيات الأعمال والرقابة؟ أم هم هؤلاء الذين يقولون بأنهم مسرحيون وفنانون وهم لا يمتلكون أبجديات الحوار الخلاق؟! تساءلت بعدما مضى دمدم: ماذا يمكنني أن أفعل بستة وثلاثين ريالا كان وضعها في يدي قبل أن يمضي؟!

السبت، 8 نوفمبر 2008

سذاجة


أما بعد،،
فقد أخبرني أحد ناقلي الأخبار الذي يضاهون جهينة في الخبر اليقين، أخبروني أن الرئيس الأمريكي باراك أوباما الذي أعلن عن فوزه بفارق كبير نهاية الأسبوع المنصرم، هو من أهل عمان طيبي الذكر، وبالتحديد من البريمي، وقد ساقت أهله الظروف إلى الرحيل والغربة حتى استوطنوا كينيا ومنها في القرن العشرين إلى أمريكا حيث لمع اسمع بارك أوباما حسين أو حسين أبو عمامة كما ذكر بعضهم!
وقد هلل ناقل الخبر وقال بأن هذا الرجل طيب وسيحل مشاكلنا الحالية مع إسرائيل ولن يكون متحيزا وبكل تأكيد سيخرج من العراق وسيحرر القدس الشريف من التدنيس المتواصل، وتذكر جهينة العماني بأن هتلر الألماني كان يمكن أن يفعل الفعل إياه، فهو مسلم مؤمن ولكن الظروف خانته والمؤامرة كانت كبيرة عليه لدرجة أنهم لم يجدوا جثته بعدما تكالبوا عليه وقتلوه!! ولذا فشل العرب في أن يستعيدوا القدس وفلسطين، وعاشوا سنوات تحت نير الاحتلال، وبات هو ذكرى لا يمكن تذكرها إلا بالسوء لأن إسلامه كان خفيا، ولولا اليهود القساة القتلة الملاعين لما طويت تلك الصفحة من تاريخ ذلك الإمام الطيب!
وواصل الرجل يقول بأن باراك أوباما سينجح فيما لم ينجح هتلر فيه، وسيحرر العرب من كل المآسي التي يعيشونها، وبكل تأكيد سيكون للعمانيين دور بارز في ذلك كما كان لهم في تاريخ العرب القديم دورهم البارز الذي سجل نقاطا مضيئة ما زالت نياشين تعلق في جبهة كل عماني.
لقد رحل أجداد أوباما إلى كينيا التي كانت هي وأجزاء كبيرة من شرق أفريقيا ذات صلة قربى حميمة بالوطن العماني الأخضر، ومع تغير مجريات الأحداث في العالم، والوهن الذي أصاب بلاد العرب وفقدان صلة القربى والرحم نسي الجميع تلك الحكاية، ونسي أوباما ذاته أصوله العمانية البريمية الموغلة في القدم!
وهز رأسه متحسرا على ذلك الماضي البعيد الجميل، حتى قلت له: لكنني سمعت يا جهينة بأن باراك أوباما كانت أصوله من بدية، وبعضهم أكد أن له أهلا في إبراء بالمنطقة الشرقية، وقد أقسم لي بذلك الذي نقل لي هذه المعلومة وحلف بأنه صادق وإن كان غير ذلك سيطلق امرأته، فلم أشأ أن أطلب منه أن يدلني على أقارب باراك في الشرقية لكي لا يتورط فيطلق زوجته والتي من أجل أن يتزوجها دفع الغالي والنفيس وأصبح مدينا للبنك يدعو ليل نهار بأن يعلن إفلاسه جراء الأزمة المالية العالمية فتسقط ديونه الكثيرة! كما لم أشأ أن أقول له بعد أن سمعته يدعو على البنك بأن الرئيس الجديد لأمريكا سيسعى أول ما يسعى له أن يحل الأزمة المالية التي بدأت من أمريكا وانتقلت إلى العالم كله كوباء زكام الطيور والدجاج التي لم يعد يأكلها بعد تلك الموجة الضخمة من الوفيات والإعدامات للطيور والدواجن! وبأن بنوكنا ومؤسساتنا المالية حتى وإن كانت تعاني فإنها لن تعلن للناس بذلك فالناس يكفيها ما أصاحبها جراء الغلاء الفاحش وعدم قدرتهم على العيش بمستوياتهم المادية التي لم تعد متناسبة كما كانت قبل خمس سنين!
والحقيقة أنني ركنت إلى تصديق الجهينين الإخباريين، وقلت في نفسي: صحيح ربما كان باراك عمانيا! وما الضير في ذلك فكينيا فرحت وذبحت الأبقار ونحن إن كان صحيحا الخبر علينا أن نفرح مرتين: مرة لأنه أصوله عربية مسلمة، ومرة لأنن نوشك أن نحكم العالم فنصحح الأخطاء الكثيرة فيه!لكن الأخبار التي كانت تنقلها الجزيرة والعربية والحرة وصحف الشرق الأوسط والحياة والقدس العربي والوطن وعمان والشبيبة والزمن قالت بأنه سيعين كبير موظفي البيت الأبيض أبوه كان قتل كما من العرب الفلسطينيين قبل أن يهاجر في الستينيات إلى أمريكا، فأفقت من الأحلام واكتشفت كم نحن نعيش في السذاجة!

الأربعاء، 5 نوفمبر 2008

للعرض فقط


أما بعد،،،
فقد ذهل الكاتب مؤخرا عندما زار معرض الشارقة للكتاب ولم يجد كتبه الثلاثة التي تكفلت وزارة أشغال الكتاب والمثقفين وصون حقوقهم بإصدارها ضمن مشاريعها التي لا تعد ولا تحصى! وأصابته نوبة هستيرية جراء ذلك، مما استدعاه للاتصال بالوزارة والتحدث إلى المسئول الأول عن الإصدارات الحديثة الذي قال له: يا أخي تراكم هلكتونا يا المثقفين! ما عاجبنكم إنا ما طبعنا حالكم أو كرّمناكم، ويوم طبعنا لكم مسوي كل ها الحشرة، حال موه؟ حال كمين كتاب ما توكل عيش! يا أخي اهتم بقضايا البلد الحقيقية وأزمة المال في العالم وخليكم من القصص والروايات اللي ما توكل لا عنب الشام ولا بلح اليمن!
عندها ارتفع الدم إلى أعلى منسوب في رأس الكاتب وقرر أن يتصل بالمسئول الأكبر في الوزارة وأخبره بما رآه في معرض الشارقة للكتاب وكيف أن كتبه لم يتم عرضها مطلقا ولا كتب زملائه عدا عدة كتب ربما جاءت بالمصادفة، فأجابه المسئول الأعلى بأن هذا يحدث أحيانا، فأنت تعرف يا أخي بأن العاملين في المخازن هم أناس غير معنيين بالكتابة والكتب، والذين يقومون على مثل هذه المشاركات هم أناس لا يهتمون لمن هذا الكتاب أو ذاك، ثم وعده أن هذا لن يتكرر في المعرض القادم! فقال له الكاتب: كل مرة تقولون هذا ويتكرر الأمر! ورد المسئول الذي كان يلعب في ساعته الجديدة التي أهدته إياها زوجته: يا أخي تحملنا قليلا، ثم إيش فيها إذا كتابك ما موجود؟ المرة الجاية بيكون موجود! ثم باغته بالقول: وأرجو الاتصال بالجماعة عشان هذا الموضوع واعذرني أنا داخل اجتماع الحين!
أوشك لحظتها الكاتب على البكاء، وتذكر، وهو في ردهة ذلك المعرض وأمام ركن الوزارة والعمانيون الذين تجسموا المسافات من أجل معرض الشارقة يمرون حوله مبتسمين فرحين بالمعرض الكبير، تذكر يوم اتصلوا به من الوزارة في عام 2006م من أجل أن يقوموا بنشر بعض من مخطوطات كتبه التي أعياه أصحاب دور النشر العربية الكبيرة والصغيرة فيها فلم يأخذ لا حقا ولا باطلا منهم وهم كانوا يأخذون كل الحق وكل الباطل من وراء اسمه وكتبه التي تتصدر قائمة المبيعات! وبعد عرض مغر بأن يكافئوه بمبلغ ممتاز وبترويج متميز لإصداراته مع الإصدارات الأخرى، وبأنهم سيقومون بتوزيعه في منافذ بيع الكتب وفي المعارض وسيعطونه عدد ثلاثمائة نسخة من كل إصدار، وافق خاصة بعد مكالمة طويلة مع زميله الكاتب الآخر الذي شجعه على هذا قائلا له بأننا لا يجب أن نكون سلبيين ونساهم مساهمة جيدة في دعم الوزارة على اتخاذ موقف إيجابي من الكتاب والمثقفين لنكون جسدا واحدا يسعى إلى خير البلد من الناحية الثقافية، وهذا المشروع سيكون رافدا جيدا لذلك الخير الوفير بإذن الله! ساعتها فقط قدم الكاتب مشروعاته الكتابية، وانتقى ثلاث مخطوطات جاهزة للنشر وسلمها الشخص المسئول في الوزارة وانتظر..مر شهر وهو ينتظر وقيل له بأن اللجنة ما تزال تنظر في الإصدارات وإمكانية نشرها! وتساءل هو: ألست كاتبا لي اسمي في البلاد وفي خارج البلاد؟ فأجابوه بأن هذا هو المتبع واللجنة لن تقصر بإذن الله وهي عارفة بقدرك ومستواك في الكتابة! فتغاضى يحركه في ذلك أمران: المكافأة الموعود بها، وكسر الجليد بين المثقفين والوزارة! ومرت ستة أشهر ولم يحدث شيء برغم مكالمة لطيفة أخبروه فيها بالموافقة، ولكن الرقابة ما زالت تقرأ الكتب، فتساءل مجددا: هل هناك من أحد في الرقابة يعي ما نكتب؟ وأجابوه: إنه النظام يا أخي الكاتب! ومرت سنة وعندما سأل أصدقاء له عن هذا الأمر قالوا له بأنها مسألة إجراءات مالية، وتساءل: كل هذا الوقت؟ وأجابوه: هكذا تجري الأمور! والأمور جرت كما رتب لها من قبل: فأخذ خمسمائة ريال مكافأة وقيل له توجه للمطبعة لتتابع كتابك وبعد سنة أخرى من المتابعة خرج الكتاب إلى النور وعرف عن طريق أحد أصدقائه بذلك دون أن يتصل به أحد، وأخبره الصديق بأن معرض الشارقة قريب ولابد أنهم سيعرضون الكتاب هناك بعدما لم يعرضوه في أبو ظبي أو بيروت أو القاهرة أو الرياض، لكن ذلك لم يحدث مطلقا وما حدث هو عرض بعض الإصدارات السابقة على إصداراته وهي كانت معروضة فقط لا أكثر ولا أقل!!

السبت، 1 نوفمبر 2008

العماني المصطنع


أما بعد،،،
فإني لأتساءل: هل من المجدي بأي حال من الأحوال أن يسعى الإنسان إلى امتلاك المال؟ أن يجعله هو المبتغى الذي لابد أن يكيف كل ظروفه من أجل الوصول إليه؟ أم أن المال وسيلة جيدة للرقي بأنفسنا والوصول إلى منطقة حضارية جيدة؟
لكن ما لنا وما للمناطق الحضارية؟ نحن لا نهتم بهذا الجانب، وإنما المتعة الحقيقية هي أن يكون لدينا رأس مال قوي، بالأحرى أن تكون لدينا خزينة مال كبيرة ومتسعة وهذا الأمر يذكرني بمسلسل كرتوني عن شخصية (دك) البطة الذي لديه برج هو عبارة عن خزنة كبرى يضع فيه ماله الوفير فيما الذين حوله يحاولون السطو عليه وسرقته، ومال البخيل يروح حال العيار! كما يقول العمانيون!! والعمانيون ليسوا فقراء كما كنت أعتقد، واعتقادي كان يستند على رؤية وضع موجود أو بالأحرى على شكوى يتناقلها الناس بأن الفقر منتشر في بلادنا، وبأن حكومتنا الرشيدة لا تحاول أن تسند ظهر هذا الفقير، ولكن كما يشير أحدهم في مقالات متواصلة له بأن الاستغراب يعلوه عندما يشاهد كم التكدس على المجمعات التجارية وموجات الشراء الضخمة التي يقوم بها الناس والتي بكل حال من الأحوال لا تعكس حال الفقر بل القدرة الشرائية الفائقة حتى وإن كانت قدرة مزيفة!
ومع ذلك تتواصل الشكوى ليس من الفقراء القادرين على الشراء بل من أصحاب المال الذين يكتنزون المال ولا يسعون إلى استثماره وتحريكه، والذين كلما أتيحت لهم فرصة محلية أو عالمية قاموا بفرض عنجهيتهم بدعوى أنهم يحاولون التكسب من أجل أنفسهم وأبنائهم، لأن كل شيء ارتفع، ويتناسون أنهم سبب التضخم لا أمريكا ولا سواها.
ويا ليتهم قد عرفوا حق المال، فأسرعوا لاستغلال البيئة التجارية المناسبة والقوانين التي تيسر إلى حد بعيد إقامة المشاريع الاستثمارية الجيدة التي تخدم الناس وتغنيهم هم وتزيد في مالهم الراكد! لكنهم لا يفكرون في غالبهم بمسألة المغامرة التجارية ويفضلون الارتكان إلى الربح السريع والمريح وتخزين ما يأتي خوفا من غد مظلم لا تبدو له نهاية، ولا يوقنون بأي حال من الأحوال بأن الغد المظلم سيأتي إن كان التفكير يمشي بهذه السطحية.
ما يؤسف له أيضا أنهم لا يريدون أن يرى الله أثر نعمته على عبده، وعندما تقول لهم: اصرفوا مالكم على أنفسكم على الأقل، قالوا لك بتواضع مصطنع: لا نريد أن نخرج عن بساطتنا! وألا نجرح من ليس مالكا مثلهم!!
ألا يفكر أحدهم أنهم يكذبون على أنفسهم؟ ألا يكتشفون أنها بساطة كاذبة وبأن العمانيين البسطاء الزاهدين في الحياة وفي الدنيا ليسوا كذلك؟ ليسوا تماما كما يروجون عن أنفسهم، بل بهم مما لدى الآخرين من حب للحياة وحب للعيش في ملذاتها الكثيرة..
ولو كانوا كذلك لتشاركوا جميعا في الخير، ولسعى غنيهم إلى زحزحة فقر المساكين منهم وإيجاد بيئات مناسبة لهؤلاء كي يعيشوا فيها، ولما تبجحوا بالتواضع فيما الجار يئن جوعا لأن جاره الغني قرر أن يزيد في سعر الأرز والطحين لأنها أزمة عالمية!!

الخميس، 16 أكتوبر 2008

في زحمة العيد


أما بعد،،،
ففي هذا العيد تساءلت عن ذلك الزحام الشديد الذي كانت تعيشه العاصمة مسقط في كل مكان تقريبا: في السيتي سنتر والبهجة والقرم والسيب ورأس الحمرا وغيرها من الأماكن الجميلة؟ ثم قلت لنفسي: أنت حمقاء! هذه هي العاصمة ولابد للناس أن يأتوا بعوائلهم كي يسروا عنهم من نزوى وصور وصحار وعبري والبريمي والرستاق وكل عواصم المناطق الحضرية لدينا التي لا تتمتع بمقدار من الرفاهية كما تتمتع به مسقط، فهي ـ أي تلك المدن ـ لا تحتوي على مقدرات ترفيهية كالسيتي سنتر مثلا أو مجمع السينما في القرم، أو الحدائق الكبيرة كالصحوة والقرم ومرح لاند!
قلت إذن أذهب للبلد فهناك لابد أن يكون الجو صافيا وممتعا وغير مزدحم، بل هادئا على غير العادة وسأجد أماكن جميلة كالأودية يمكن أن أتمشى فيها.. لكن الطريق إلى البلد بدا بعيدا، فخط الباطنة كان أيضا مصابا بالازدحام، بسيارات أهل البلد وبسيارات قادمة عبر الحدود! وبدت الدوارات الكثيرة ـ التي لا تحتوي إشارات مرور (ولا نقول أن تستبدل بجسور كمسقط) ـ متوقفة، ولم يعد ممكنا السرعة إلا في حدود المائة فقط! وبالطبع فإن هذا يفترض به أن يخفض نسبة الحوادث، فالسرعة هي السبب الأساس للحوادث والموت، ولكن ما رأيته أن هذا الخط المزدحم كان أيضا مزدحما بالحوادث، خاصة في مناطق معينة: بركاء والسويق بالتحديد.
وعموما هذي قضية أخرى، تبدو نوعا ما بعيدة عن العيد وعن إجازة العيد التي كنت أود قضاءها في مكان مرفه كالمجمعات التجارية الضخمة، ولم أجد واحدا منها في طول البلد وعرضها، وبالطبع بدت مسقط غير ممكنة بسبب أهالي المناطق الأخرى الذين مثلي جاءوها بحثا عن مجمع مميز يحتوي الكثير مما يفتقدونه من ترفيه وتسوق في مدنهم العريقة، والتي بدورها كانت مقصدا لمن يريد شيئا مختلفا غير المجمعات ولا يراه إلا نادرا، وهم يدركون أن عمان بلد جميل لزيارة التاريخ والطبيعة الساحرة، ويخرجون بذلك من ضيق الأماكن المرفهة والبنايات الأسمنتية العالية والتي نبحث عنها نحن كنوع من الخروج من أسر الطبيعة وسحر التاريخ والتراث!
لكن هؤلاء الذين جاءوا إلى ديارنا بحثا عن هذا السحر الحلال، بكل تأكيد سيتضايقون من الزحام، ومن ضعف البنى الأساسية التي يمكن أن تصنع سياحة حقيقية، كما هم أبناء البلد يزفرون استياء من عدم وجود متنفسات كافية لهم خاصة في خارج مسقط، ولا يجدون مفرا من تحمل زحمة الطريق الواحد ليصلوا إلى مسقط، حتى لو كان في ذلك اقترابا من السقوط في شرك الحوادث السيئة السمعة في بلد كبلدنا هذا!
ما الذي يمنع مستثمرينا الأعزاء من استغلال هذا النقص الموجود لدينا؟ حتى مسقط تبدو مملوءة باستثمارات ترفيهية لم يقدمها تجار واقتصاديو البلاد بل الذين سنحت لهم الفرصة من الخارج بذلك، ولا أدل على هذا من السيتي سنتر أو سلطان أو اللولو!! فأين أصحاب المال الذين يكدسون المال ولا يستثمرونه؟ المال يا سادة ليس هو الهدف، بل هو الوسيلة لجني مال أكثر، وهذه النظرية الاقتصادية هي التي تحرك رأس المال وتنميه! أما ما يفعله أصحاب المال لدينا فهو التكديس فقط لا أكثر ولا أقل، ولذلك لدينا أغنياء ولكنهم فقراء في الوقت ذاته، لأنهم لا يسعون إلا لجعل أرصدتهم ممتلئة بلا فائدة، وعندما يموتون لا يعرف الأبناء كيف ينفقون المال أو يستغلونه، ولذلك هم فقراء أشد فقرا من الفقير الذي عندما يجد المال يحاول أن يسري به عن أسرته في عيد مثل هذا العيد!